ابن قيم الجوزية
25
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ أي هو ربي ، فلا يسلمني ولا يضيعني ، وهو ربكم فلا يسلطكم عليّ ولا يمنعكم مني ! فإن نواصيكم بيده ، لا تفعلون شيئا بدون مشيئته . فإن ناصية كل دابة بيده ، لا يمكنها أن تتحرك إلا بإذنه . فهو المتصرف فيها . ومع هذا في تصرفه فيها وتحريكه لها ، ونفوذ قضائه وقدره فيها : على صراط مستقيم ، لا يفعل ما يفعل من ذلك إلا بحكمة وعدل ومصلحة ، ولو سلطكم علي فله من الحكمة في ذلك ما له الحمد عليه . لأنه تسليط من هو على صراط مستقيم . لا يظلم ولا يفعل شيئا عبثا بغير حكمة . فهكذا تكون المعرفة باللّه ، لا معرفة القدرية المجوسية ، والقدرية الجبرية ، نفاة الحكم والمصالح والتعليل . واللّه الموفق سبحانه . فصل ولما كان طالب الصراط المستقيم طالب أمر أكثر الناس ناكبون عنه ، مريد لسلوك طريق مرافقه فيها غاية العزة . والنفوس مجبولة على وحشة التفرق ، وعلى الأنس بالرفيق ، نبه اللّه سبحانه على الرفيق في هذه الطريق ، وأنهم مع الذين أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ . وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً فأضاف الصراط إلى الرفيق السالكين له . وهم الذين أنعم اللّه عليهم ، ليزول عن الطالب للهداية وسلوك الصراط وحشة تفرده عن أهل زمانه وبني جنسه . وليعلم أن رفيقه في هذا الصراط هم الذين أنعم اللّه عليهم . فلا يكترث بمخالفة الناكبين عنه له . فإنهم هم الأقلّون قدرا ، وإن كانوا الأكثرين عددا ، كما قال بعض السلف : عليك بطريق الحق ، ولا تستوحش لقلة السالكين . وإياك وطريق الباطل ، ولا تغتر بكثرة الهالكين . وكلما استوحشت في تفردك فانظر إلى الرفيق السابق ، واحرص على اللحاق بهم . وغض الطرف عمن سواهم . فإنهم لن يغنوا عنك من اللّه شيئا . وإذا صاحوا بك في طريق سيرك ، فلا تلتفت إليهم . فإنك متى التفت إليهم أخذوك وعاقوك . وقد ضربت لك مثلين ، فليكونا منك على بال .